الثلاثاء، 1 يوليو، 2008

سيكم

ذهبت اليوم لزيارة مزرعة سيكم فى بلبيس بمحافظة الشرقية فى مصر. مزرعة سيكم هى عبارة عن مزرعة تقوم بالزراعة الحيوية (الزراعة العضوية - أورجانيك) فى مصر منذ أكثر من ثلاثين عاماً بدأها د. إبراهيم أبو العيش وما زال يديرها هو وابنه حلمى أبو العيش. وكل الزراعتات الموجودة فى مزرعة سيكم لا تستخدم الكيماوى فى التسميد ولا فى مكافحة الآفات وتستخدم بدلاً من ذلك طرق طبيعية لا تؤذى صحة النبات ولا الحيوان أو الإنسان الذى يتغذى على هذا النبات.

انطباعات أولى
فراشات ملونة
أجمل ما شد انتباهى هناك فى مزرعة سيكم كان منظر الفراشات البديع الذى قلما تجده فى مصر. فكان الأطفال الصغار يمرحون والفرشات الملونة بألوان زاهية تطير ببطء وتتواجد بشكل مكثف فى أحد بقاع المزرعة وكانت تبدوا مثل الفراشات الموجودة فى أفلام الكرتون من جمالها وبطء طيرانها الذى لم أره من قبل فى الطبيعة. تبادر إلى ذهنى على الفور عند رؤية تلك الفراشات البديعة موضوع التوازن البيئى وكيف أن الكائنات بمختلف أنواعها تساهم مع بعضها فى حلقة متكاملة لعمل توازن بيئى يساعد على استدامة الحياة الصحية واستمرارها.

رائحة زكية
وثانى شئ اجتذبنى فى مزرعة سيكم بعد منظر الفراشات البديع كانت رائحة زكية تملأ الجو ونحن نسير بجوار أحد بقاع المزرعة، وقد وكانت هذه الرائحة الزكية الهادئة التى تملأ الجو تنبعث من أحد أنواع النباتات المزروعة هناك فى مزرعة سيكم. والمرة الثانية التى أشعر فيها برائحة زكية للغاية كانت عندما دخلت إلى أحد مصانع سيكم والذى يقوم بتصنيع الأعشاب. وكانت الرائحة تملأ المكان، رائحة زكية للغاية وتشعر أنها مملوءة بالطاقة والحيوية الطبيعية فتستريح لها النفس فليس بها أى إضافات كيماوية مصنعة.

التعليم
المدرسة الصيفية
وما أبهرنى حقاً فى سيكم كانت حلقة التعليم الموصولة هناك. ورغم أن الموسم الدراسى كان قد انتهى هذا العام، إلا أننى تمكنت من رؤية بعض الأطفال فى المدرسة الصيفية summer school. قمت بالاقتراب من أحد هؤلاء الصبية وسألته عن ما إذا كان قد انتهى من امتحاناته فأجاب بالإيجاب. فاستفسرت منه عن سبب وجودهم هنا وقد انتهت فترة الدراسة وبدأت الإجازة الصيفية فأخبرنى بأنه فى "السمر سكول". فسألته عما يفعلون فى المدرسة الصيفية، فأشار إلى بعض الأعمال الفنية التى قام هو وزملاؤه بصنعها وأشار إلى ما قام بعمله هو من هذه الأعمال الفنية. أعجبتنى للغاية، وكان أحد هذه الأعمال الفنية مصنوع من قطع الخشب الصغيرة، وأعجنى للغاية حيث أنه مصنوع من مواد طبيعية موجودة فى البيئة المحيطة.


حضانة سيكم
وقمنا بالمرور أيضاً على حضانة سيكم، وشاهدت أعمالاً فنية أخرى بها. كما وجدت أحد الأطفال فى الحضانة يمر بجوارنا وكان يغنى على سجيته باللغة العربية أحد الأغانى المتعلقة بالبيئة المحلية فى القرية. أعجبنى ذلك كثيراً، فكفانا تلقين للأطفال بالأغانى الغير مناسبة لبيئتهم المحيطة والغير معبرة عن مجتمعنا.

وقد لاحظت شىءً مشتركاً بين هذا الطفل فى الحضانة والأطفال الذين قمت برؤيتهم والتحدث إلى أحدهم فى المدرسة الصيفية، ألا وهو الثقة بالنفس. فلم يكن فى عيونهم هذا الخوف والتردد الذى تراه فى عيون الكثير من التلاميذ فى المدارس التقليدية والذين نحجر على حريتهم ولا نحترم قدراتهم العقلية على الإبداع، بل نلقنهم ونكسر قدرتهم على الإبداع وثقتهم فى أنفسهم وفى قدراتهم.

ذوى الاحتياجات الخاصة
وقمنا أيضاً بالمرور على عدة مؤسسات تعليمية أخرى تابعة لسيكم وموجودة على أرض مزرعة سيكم، وكان منها مدرسة خاصة لذوى الاحتياجات الخاصة. وقد أعجبنى مظهر الأطفال فى الفصل، وقمت بمد يدى لمصافحة أحد هؤلاء الأطفال فبادر بمد يده لمصافحتى بعفوية وثقة. نفس الثقة التى رأيتها فى عيون الأطفال الآخرين من قبل فى مدارس سيكم الأخرى.

وقد أخبرنى أ. جمال السيد، وهو مسؤول عن التدريب والتعليم داخل سيكم، بأن ذوى الاحتياجات الخاصة لا يتم فقط تعليمهم فى سيكم، بل أنهم بعد انتهائهم من التعليم يتم توظيفهم أيضاً داخل سيكم! وقد أدهشنى ذلك بالفعل. كما أخبرنى أ. جمال أن 25 فرداً من ذوى الاحتياجات الخاصة يعملون بالفعل فى سيكم فى الوقت الراهن ولهم مرتب وتأمين اجتماعى وكل شئ! أبهرنى ذلك، وشعرت بشعور جميل عند سماعى لهذا، وذلك يتوافق تماماً مع ما أعتقد فيه، حيث أننى قد قمت بالتطوع قبل ذلك فى جمعية رسالة وقمت بتدريس أحد برامج الكمبيوتر لذوى الاحتياجات الصاخة هناك، فوجدت أن لهم قدرة على الاستيعاب وطاقة للعمل، وأدركت أن هذه الطاقة يمكن توظيفها بشكل إيجابى لنشعرهم بقيمتهم، حتى وإن كان العمل الذى سوف يقومون به يسيراً، ولكنه مهم.

المتسربين من التعليم
كما دخلنا أيضاً فصلاً لتعليم الأطفال المتسربين من التعليم. وأول شئ لاحظته عند الاقتراب من الفصل من الخارج هو أننى لم أكن أسمع أى صوت مرتفع بالداخل رغم أن التلاميذ كانوا موجودين فى الفصل جالسين وينظرون إلى المدرس أثناء قيامه بالتحدث إليهم. اقتربت أكثر ودخلت إلى الفصل فوجدت المدرس الشاب يقوم بالحديث إلى الطلبة ولم يكن صوته مرتفعاً كما تعودنا فى فصولنا التقليدية. وكان التلاميذ فى حالة من التواؤم والانجذاب إلى ما يقول. فالصوت المرتفع الذى نراه فى الكثير من فصولنا التقليدية للأسف ليس مجرد أداة ووسيلة لكبت الأطفال ومحاولة استعادة السيطرة المفقودة عليهم بعد أن تشتت تركيزهم نتيجة الدرس الممل.

أما فى سيكم فالأمر مختلف، لأن الطفل يتعلم بشكل طبيعى وغير تقليدى، فيقوم بالتعلم عن طريق سماع القصص وصناعة الأعمال الفنية بنفسه والتى تعبر عن بيئته المحيطة ويقوم بالاستنتاج والاكتشاف بدلاً من التلقين الذى عانينا من ويلاته سنين عدة ومازلنا نعانى منه داخل مدارسنا التقليدية.

وقد شاهدت الأعمال الفنية التى صنعها هؤلاء الصبية من الصلصال، وأعجبنى أنها تعكس البيئة المحلية لهؤلاء الأطفال، فكانت أحد هذه الأعمال المصنوعة من الصلصال تصور سيدة جالسة أمام فرن بلدى تخبز به. وكان هناك عملاً آخر لسيدة جالسة تبيع بعض الخضر أو الفاكهة. وعندما أشرت إلى هذا العمل قائلاً للمدرس "يبدوا أن هذه السيدة تبيع بطاطس"، فأجابنى بأن الخيال مفتوح، فيمكننى أن أتخيلها كذلك ويمكن أن يتخيل شخص آخر أنها تبيع شىءً آخر غير البطاطس. فأعجبتنى هذه الإجابة، وشعرت أنها أحد الخطوط الرئيسية فى تعليم الأطفال والكبار داخل سيكم، وهى تنمية الإبداع والتخيل عندهم، وعدم فرض المعلومات الجافة عليهم ومعاملة عقولهم كأنها قالب نملأه بالمعلومات وفقط. وشعرت أن هذا المدرس قد تم تدريبه فى سيكم على هذه الطريقة وتم توضيح مفهوم الخيال المفتوح له بشكل واضح ليستخدمه فى التدريس لهؤلاء الأطفال الصغار. وبالخارج، رأيت أعمالاً أخرى قام الأطفال بعملها أيضاً، وكلها تعبر عن بيئتهم المحلية. وكان لها لوناً أبيضاً جميلاً.

وأتذكر الآن ما قرأته منذ بضعة شهور على أحد المدونات على الإنترنت باللغة الإنجليزية لسيدة كندية تعيش فى مصر منذ سنوات عديدة، وقد كانت تتعجب من منهج الوزارة الذى يقوم بتعليم الأطفال فى كتاب اللغات أشياء مثل "ملعب الجولف" وهى لا تمت لبيئتهم الطبيعية بصلة خاصة إذا كانوا من سكان القرى فى مصر. وأشعر الآن بأن سيكم تفعل عكس ذلك بالضبط، فهى تخاطب الطفل من خلال مفردات البيئة المحيطة به عن طريق الأعمال الفنية بل وحتى الأغانى وكلماتها التى تعبر عن ثقافتنا المحلية.

التدريب المهنى
وقمنا أيضاً بالمرور على بعض الورش التعليمية، وكانت منها ورشة للنجارة، يمكن للمتدربين أن يقوموا بالتدريب بداخلها، وفى نفس الوقت تقوم بعمل مصنوعات خشبية تلبى احتياجات سيكم. وأيضاً قمنا بالمرور على ورش صناعية أخرى تستخدم فى التدريب المهنى أيضاً. وكنت قد علمت من أ. جمال السيد أن سيكم بها مدارس تعليم فنى صناعى وأيضاً مدارس ثانوى عام بالإضافة إلى المدرسة الابتدائة والإعدادية والحضانة والفصول الخاصة بذوى الاحتياجات الخاصة والفصول الخاصة بالمتسربين من التعليم.

أما عن فصول مبارك كول Mubarak-Kohl الموجودة داخل سيكم فهى فصول للتعليم الفنى الصناعى وهو برنامج تم تصميمه بالتعاون مع ألمانيا ويهدف إلى تعليم الطلاب بشكل عملى فى الورش حتى يتمكنوا من العمل فى الورش والمصانع فور تخرجهم.

وللحديث بقية بإذن الله لنستكمل الرحلة مع سيكم والفلسفة الكامنة وراء مجتمع سيكم.

هناك 8 تعليقات:

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  2. مزرعة أشبه بالحلم حقيقة و نحن فى انتظار الرواية عن باقي الرحلة...

    ردحذف
  3. مزرعة جميلة فعلا ومدونة أجمل اتمني امتلك مزرعة مثلها

    ردحذف
  4. MâĤMöŬĐ ♥ >>> محمود جمال عبد العزيز مهدى<<<1 نوفمبر، 2009 10:25 م

    على فكرة انا من مدرسة سيكمـ الفنية
    انا >>>{ محمود جمال عبد العزيز مهدى سيف الدين >>>
    وبصراحة مدرسة جميلة جدا , شكرا للذى تور العلمـ لنا وصممـ لنا مدرسة بجمال ده لكى نتعلمـ هذا التعليمـ ومدير المدرسة مستر {جمال} فعلن مدرسة تصتحك هذا التقدير شكرا سن كيو جد باآآآآآآآى
    gd bye

    ردحذف
  5. اريد هاتفك ضروري قطر

    ردحذف
  6. السلام عليكم اعجبنى تعبير النوازن البيئى ولكن هل اخذت موقعك فيه؟اقصد هل رضيت ان يضحى بك فى ظل التوازن البيئى (الفريسة ام المفترس)

    ردحذف
  7. ان رضيت ان تكون المفترس فانت ظالم وان رضيت بان تكون الفريسة فانت مصر

    ردحذف